المناوي

531

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

( 511 ) محمد بن إسحاق « * » المتشمّر للحاق ، المتجرّد للسّباق ، أبو عبد اللّه الكوفي . كان على فوت الساعات ضنينا ، ويحذر فوت وقته أنينا « 1 » . وقال : قال لي بعض الحكماء : الأيّام سهام ، والناس أغراض ، والدّهر يرميك كلّ يوم بسهامه ، ويتخرّمك بلياليه وأيّامه ، حتّى يستغرق جميع أجزائك ، فكم بقاء « 2 » سلامتك مع وقوع الأيّام بك ، وسرعة الليالي في بدنك ؟ ! ولو كشف لك عمّا أحدثت الأيّام فيك من النقص ، وما هي عليه من هدم ما بقي منك ، لا ستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممرّ الساعات ، ولكن تدبير اللّه فوق الاعتبار ، وبالسلوّ عن غوائل « 3 » الدّنيا وجد طعم لذّاتها ، وإنّها لأمرّ من العلقم إذا عجمها الحكيم ، وأقلّ من كلّ شيء يسمّى القليل ، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما تأتي به من العجائب ، ممّا لا يحيط به الواعظ . نستوهب اللّه رشدا « 4 » إلى الصواب . وقال : قيل لبعض الحكماء : صف لي الدنيا ، ومدّة البقاء فيها ، فقال : الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك « 5 » ، لأنّ ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به . يوم مقبل تنعاه ليلته ، وتطويه ساعته ، وأحداثه تتناضل في الإنسان بالتغيير والنقصان « 6 » والدّهر موكّل بتشتيت الجماعات ، وانخرام الشّمل ، وانقضاء الدول ، والأمل طويل ، والعمر قصير ، وإلى اللّه الأمور تصير .

--> * تقدمت ترجمته مع ذكر مصادرها في الطبقات الكبرى : 2 / 137 . ( 1 ) في الحلية : ويجد من فوت وقته أنينا . ( 2 ) في الأصل : ولم تقاوم ، والمثبت من الحلية . ( 3 ) في الأصل : غواية ، والمثبت من الحلية . ( 4 ) في الأصل : يستوهب اللّه رسلا . والمثبت من الحلية . ( 5 ) في الأصل : فيطرقك ، والمثبت من الحلية . ( 6 ) في الأصل : والإنسان ، والمثبت من الحلية .